
قراءة متأنية في المقال الوداعي لـديفيد بروكس
في نهاية يناير 2026، نشر الكاتب الأمريكي ديفيد بروكس مقاله الوداعي في صحيفة نيويورك تايمز بعد مسيرة امتدت اثنين وعشرين عامًا من الكتابة الأسبوعية المنتظمة.
المقال، المعنون “Time to Say Goodbye”، أثار اهتمامًا واسعًا ونقاشًا كثيفًا لأنه تجاوز حدود الوداع المهني واتجه مباشرة إلى تشخيص حالة ثقافية وأخلاقية يعيشها المجتمع الأمريكي، وتتقاطع معها مجتمعات كثيرة في العالم المعاصر.
أهمية المقال لا تعود إلى توقيته فقط، ولا إلى اسم كاتبه، وإنما إلى كونه خلاصة نظر طويل لكاتب عاش التحولات الكبرى من داخل المؤسسة الإعلامية الأكثر تأثيرًا، وراقب تبدل المزاج العام، وتآكل اللغة المشتركة، وتراجع الثقة عامًا بعد عام.
الأزمة: فقدان المعنى
يضع بروكس إصبعه على جوهر ما نعيشه: أزمة معنى.
الثقة بالمستقبل تراجعت، الثقة بالمؤسسات ضعفت، الثقة بين الناس تآكلت، والإيمان بوجود غاية مشتركة للحياة العامة لم يعد حاضرًا كما كان. السياسة تظهر هنا كمساحة انعكاس لهذه الأزمة، لا كمصدرها.
هذا الفقدان للمعنى هو الخلفية التي تتحرك فوقها كل النقاشات الأخرى.
خيبة ما بعد الحرب الباردة
يعود المقال إلى المرحلة التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، حين سادت قناعة بأن الديمقراطية ستنتشر، وأن الرأسمالية ستنتج رخاءً واسعًا، وأن التكنولوجيا ستقرب البشر من بعضهم.
ما تلا ذلك كان سلسلة من الخيبات الواضحة:
حرب العراق هزّت الثقة الأخلاقية في السياسة الأمريكية.
الأزمة المالية العالمية زعزعت الإيمان بعدالة السوق.
الإنترنت وسّع دوائر الاتصال وعمّق في الوقت نفسه العزلة والعداء.
تراكم هذه التجارب غيّر نظرتنا إلى المستقبل، وأضعف الإيمان بفكرة التقدم نفسها.
مجتمع أكثر حزنًا
ينتقل بروكس من هذه الخلفية التاريخية إلى توصيف المزاج العام.
الخطاب العام أصبح أكثر سلبية، الثقة بالخبراء والمؤسسات تراجعت، ونسبة كبيرة من الشباب تعبر عن فقدان الهدف والمعنى. هذه المؤشرات لا تعكس أزمة نفسية فردية، وإنما حالة ثقافية شاملة.
العدمية كثقافة سائدة
في هذا المناخ، يصف بروكس صعود العدمية بوصفها ثقافة يومية.
القوة تُقدَّم معيارًا للنجاح، القسوة تُفهم على أنها واقعية، والقيم الأخلاقية تُعامل كزخرفة لغوية أو وسيلة خداع. هذا التصور يعيد تشكيل السلوك العام، ويبرر التنمر، ويمنح الهيمنة مشروعية اجتماعية.
ترامب تعبير عن هذا المناخ
يضع بروكس صعود دونالد ترامب داخل هذا السياق الثقافي.
العدمية كانت حاضرة قبل ظهوره، وانهيار القيم سبق صعوده. شخصيته عكست هذا التحول ونقلته إلى المجال السياسي بوضوح فاقع. التركيز على الفرد وحده يحجب النظر عن السياق الثقافي الذي أنتجه.
الفردانية وتفكك الروابط
يربط المقال بين عقود من تمجيد الفردانية وبين تآكل الروابط الاجتماعية.
حرية الاختيار توسعت، فيما تراجع الشعور بالانتماء والمسؤولية المتبادلة. المجتمع أصبح أكثر استقلالية على المستوى الفردي، وأضعف على مستوى النسيج الاجتماعي.
التعليم وفقدان البوصلة
ينتقد بروكس التحول في فلسفة التعليم، حيث تراجعت العلوم الإنسانية والفنون لصالح تعليم نفعي ضيق الأفق.
الجامعات باتت تركز على المهارات القابلة للتسويق، فيما غابت الأسئلة المتعلقة بالغاية والمعنى وتشكيل الشخصية. هذا المسار أنتج أجيالًا مؤهلة مهنيًا ومحرومة من لغة أخلاقية مشتركة.
خصخصة الأخلاق وفراغ المجال العام
يشير المقال إلى أن المجتمع الحديث حمّل الأفراد مهمة بناء منظوماتهم القيمية الخاصة.
هذا التوجه أفرغ المجال العام من المعايير المشتركة، وأضعف القدرة على حل النزاعات، وقوّض الثقة الاجتماعية. حين تغيب أرضية أخلاقية جامعة، يصبح التعايش نفسه مهمة شاقة.
لا مجتمع بلا مقدس
يؤكد بروكس أن كل مجتمع يحتاج إطارًا مشتركًا للمقدس، يتمثل في رموز وسرديات ومُثل عليا.
اختفاء هذا الإطار يفتح الباب أمام القلق، والتذرر الاجتماعي، والانحدار نحو القسوة بوصفها قاعدة لا استثناء.
الثقافة نقطة البداية
في قلب المقال تأتي الفكرة المحورية: التغيير يبدأ من الثقافة.
الثقافة هنا تعني نمط الحياة اليومي، والقصص التي نرويها، والطقوس التي نمارسها، وطريقة حديثنا عن الخير والغاية. كل فرد يساهم في تشكيل هذا المناخ، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه.
معركة المعنى
ينهي بروكس مقاله بإعلانه الانتقال من الكتابة الصحفية إلى العمل الأكاديمي، في خطوة تعكس اختياره الانخراط في معركة المعنى على مستوى أعمق.
الأدب، والفلسفة، والتاريخ، والفنون تظهر هنا كأدوات مركزية لإعادة بناء الإنسان ولغة العيش المشترك.
خاتمة
هذا المقال لا يجب أن يقرأ على أنه مجرد وداع من الكاتب لصحيفته وقرائه، وإنما هو محاولة واعية لتسمية الأزمة التي نعيشها عالميًا:
اتساع في الحرية، وتراجع في المعنى.
وحين يتراجع المعنى، لا تعود السياسة وحدها قادرة على الترميم.



