حين كان الخطّ الجميل أمرًا عاديًّا

دخلتُ محلًّا صغيرًا هذا الصباح. بائعٌ كبير السنّ، حديثه عاديّ، عرضه للبضاعة مباشر بلا تكلّف. اشتريتُ ما أريد، ثم جلس ليكتب الفاتورة. خطّه كان جميلًا، متناسقًا، واثقًا من انحناءاته. حروفه مستقيمة، المسافات محسوبة، والميزان بين الكلمات حاضر كأنه تمرّن عليه طويلًا.
لا أعرف شيئًا عن ثقافة هذا الرجل أو تعليمه، وليس هذا ما يعنيني. ما لفتني أن خطّه الجميل لم يبدُ مكتسبًا بجهد استثنائيّ. بدا طبيعيًّا، كأنه شيء تعلّمه في صغره ورافقه دون أن يفكّر فيه. وهذا بالضبط ما يستوقفني: أن جيلًا كاملًا كان الخطّ الحسن عنده أمرًا عاديًّا.
هذه ليست الحادثة الأولى. كثيرًا ما أجد لدى كبار السنّ خطوطًا رائقة، بصرف النظر عن مستوى تعليمهم أو طبيعة أعمالهم. ربّما في الأمر شيء من الانتقاء — أعترف بذلك. نلاحظ الخطّ الجميل حين نراه عند كبير في السنّ فنتذكّره، ولا نلتفت إلى من كان خطّه عاديًّا من أقرانه. لكنّ الفارق يظلّ لافتًا حين نقارنه بأجيال اليوم، حيث يكاد الخطّ الحسن يغيب تمامًا بين طلّاب المدارس الحديثة. المسألة لم تعد فرقًا بين شخص وآخر. هذا تحوّل بين جيل وجيل.
لكنّ الحكاية أعقد من سبب واحد. المدرسة القديمة كانت ترى في الخطّ تدريبًا على الانضباط، وعلى الدقّة، وعلى الصبر. كانت هناك كرّاسات معياريّة، وتصحيح يوميّ، ودرجات تُخصم على سوء الخطّ. الحرف كان يُؤخذ بجدّيّة. لكنّ ثمّة سببٌ أبسطُ أيضًا: ذلك الجيل أمضى عقودًا يكتب بيده لأنه لم يكن لديه بديل. الممارسة اليوميّة وحدها، بمعزل عن المنهج، تصقل الخطّ كما يصقل المشيُ الطويلُ قدمَ من لا يملك سيّارة. أتذكّر دفاتر خالي القديمة — خطّه فيها لم يكن خطّ شخص يتقصّد الجمال، كان خطّ شخص لم يعرف طريقة أخرى غير أن يكتب بيده كلّ يوم. التعليم المعاصر نقل مركز الثقل إلى المهارات الرقميّة، والسرعة صارت قيمة عليا، والإنجاز يُقاس بعدد المهامّ لا بجودة التشكيل. فخرج جيل آخر يكاد الخطّ الحسن فيه يكون غريبًا. والمفارقة الأعمق أن كثيرًا من معلّمي هذا الجيل أنفسهم لا تختلف خطوطهم عن خطوط طلّابهم. حين يفقد المعلّم هذه المهارة، لا يبقى من يغرسها.
والخطّ العربيّ تحديدًا يحمل ثقلًا يتجاوز الوظيفة. عبر قرون كان فنًّا قائمًا بذاته، من النسخ إلى الثلث، تُقاس فيه النِّسَب، ويُحترم فيه الميزان. الحرف كان أداة ومعنى وهيبة في آنٍ واحد. حين يضعف هذا الوعي، يُختزل الخطّ إلى وظيفة. وحين تضيق الوظيفة، يُقبل الحدّ الأدنى منها. ما يضيع ليس شكل الحرف وحده، بل شيء من الصبر الذي كانت تغرسه تلك الحركة البطيئة — حين تبطؤ اليد، يُتاح للعقل أن يتأمّل.
لكن لحظة — من الإنصاف أن نسأل السؤال المقابل أيضًا: ماذا كسب هذا الجيل؟ ما المهارات التي صارت عنده طبيعيّة بينما كانت مستحيلة عند آبائه؟ وما الأثر الهادئ الذي ستتركه تربية اليوم بعد عقود، حين يتذكّرها أحدهم في موقف لم يتوقّعه — كما تذكّرتُ أنا تربية ذلك الرجل من فاتورته؟ لا أملك إجابة. لكنّ السؤال يستحقّ ألّا نتجاوزه حين نتحدّث عمّا فقدناه.
الرجل في ذلك المحلّ لم يكن يعلم أنه قدّم درسًا. خطّه لم يكن دليلًا على موهبة فرديّة بقدر ما كان أثرًا لتربية جيل كامل اعتنى بالتفاصيل الصغيرة. بعض القيم، حين تُغرس مبكّرًا، لا تحتاج إلى من يشرحها. تكفيها فاتورة بخطٍّ جميل.


