عندما يعترف أغنى رجل في العالم: المال لا يشتري السعادة

كتب إيلون ماسك، صاحب الثروة التي تُقدّر بأكثر من 800 مليار دولار، تغريدة في الرابع من فبراير 2026 قال فيها: “من قال إن المال لا يشتري السعادة، كان يعرف حقاً عمّا يتحدث”، وأضاف إليها رمز الوجه الحزين.
ثمانمائة مليار دولار!! رقم يصعب على العقل استيعابه، وثروة تفوق ميزانيات دول بأكملها، ومع ذلك اعتراف صريح بأن كل هذا لم يكن كافياً ليملأ فراغاً ما في الداخل. جاءت التغريدة بعد أيام من إعلان دمج شركتيه SpaceX وxAI في صفقة تُقدّر بـ 1.25 تريليون دولار، وقبيل طرح عام أولي يُتوقع أن يكون الأكبر في التاريخ. في اللحظة التي يحقق فيها قمة النجاح المالي، يكتب ماسك عن الحزن!
ردود الفعل كانت متنوعة: من السخرية (“أرسل لي مليون دولار لأفهم مشاعرك”)، إلى النصيحة الصادقة من بيل أكمان، الملياردير ومدير أحد أكبر صناديق الاستثمار الأمريكية، الذي قال له: “السعادة تكمن أيضاً في علاقة طويلة الأمد مع شخص مميز حقاً. حان الوقت لتجد هذا الشخص.” بينما ذكّره آخرون بأهمية الإيمان ومساعدة الآخرين. لكن ما يستحق التأمل حقًا ليس ردود الفعل، وإنما الحقيقة التي كشفتها هذه التغريدة: أن الإنسان مهما بلغت ثروته وقوته يبقى يبحث عن شيء أعمق من الأرقام في حساباته البنكية.
نعم، لا شك أن المال يشتري الأمان إلى حد كبير، ويزيل القلق من المستقبل، ويوفر العلاج والمسكن والطعام. المال يحرر من الخوف اليومي من الغد. كما أن الدراسات النفسية تؤكد أن المال يرفع مستوى السعادة فعلاً، لكن حتى نقطة معينة (يقال من ٧٥ الى ٩٥ ألف دولار سنويًا) . لكن بعد تأمين الاحتياجات الأساسية وتحقيق مستوى معقول من الراحة يبدأ تأثير المال الإضافي على السعادة في التناقص تدريجياً. العائد يتضاءل، والفراغ الداخلي يبقى!
الدراسات والقراءات تؤكد أن ما نبحث عنه في العمق ليس المال نفسه بل ما نظن أن المال سيحققه: الحرية، والطمأنينة، والاعتراف، والأمان، والمعنى. المال يسهّل الوصول إلى بعض هذه الأشياء لكنه لا يضمنها. لا يشتري عائلة تشعر معها بالانتماء الحقيقي، ولا صداقة تثق بها في أحلك اللحظات. لا يشتري هدفاً يجعل الحياة ذات معنى، ولا راحة البال التي تأتي من الرضا عن النفس، ولا السكينة الداخلية التي تنبع من الإيمان. لا يشتري الوقت المفقود، ولا يعيد الصحة حين تُفقد، ولا يملأ الفراغ الذي يتركه غياب المعنى.
إيلون ماسك يملك شركات تستكشف الفضاء وتبني السيارات الكهربائية وتطور الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يملك – على ما يبدو – راحة البال. وهذه ليست مفارقة بل حقيقة إنسانية قديمة. المشكلة تكمن في الظن بأن المال هو الغاية. حين تصبح الثروة هدفاً بحد ذاتها يبدأ فخ لا ينتهي: مهما تحقق لن يكون كافياً، لأن الهدف المتحرك لا يُدرك أبداً.
“حين أحقق هذا المبلغ سأرتاح”. ثم حين يتحقق يرتفع السقف: “مبلغ أكثر قليلاً وعندها سأكون سعيداً”. يمضي العمر في مطاردة رقم لا ينتهي بينما تضيع الحياة الحقيقية في الطريق. في عيادات الصحة المهنية المشهد يتكرر: مدراء ناجحون ورواتبهم مرتفعة لكنهم يعانون من الإرهاق والقلق والأرق والعزلة. يملكون كل شيء على الورق لكنهم فقدوا أنفسهم في الطريق.
التغريدة ليست دعوة للزهد في المال أو التخلي عن الطموح، لكنها تذكير بسؤال قديم: لماذا نسعى؟ وما الذي نبحث عنه حقاً وراء الرقم في الحساب البنكي؟ السعادة لا تأتي من امتلاك المزيد بل من الحضور مع من نحب، ومن الوعي بما نملك، ومن الارتباط بهدف يتجاوزنا، ومن الانسجام مع القيم، ومن الرضا عن الذات. المال وسيلة لا غاية. وحين يُنسى هذا يصبح الإنسان مثل من يركض خلف سراب.
ما الذي يجعل الإنسان سعيداً حقاً؟ ليس ما يُفترض أن يسعده أو ما يقوله المجتمع أو ما يُنشر على وسائل التواصل، بل ما يملأه سلاماً وامتناناً حقيقياً. ربما في لحظة بسيطة: كوب شاي مع حبيب أو صديق عزيز، ونزهة في الطبيعة، وكتاب يلامس الروح، وصلاة تُشعر بالقرب من الله، وعمل يخدم الآخرين، أو مجرد النوم مرتاح البال.
السعادة الحقيقية في الاكتفاء لا في الامتلاك، وفي الرحلة لا في الوصول، وفي السلام مع النفس لا في التفوق على الآخرين. تغريدة واحدة من أغنى رجل في العالم تحمل درساً قديماً: المال ضروري للحياة الكريمة لكنه ليس الحياة نفسها، والنجاح المهني مهم لكنه ليس كل شيء، والثروة المادية تستحق السعي لكن الثروة الحقيقية في القلب المطمئن والروح الراضية والعلاقات الصادقة والهدف النبيل.
في النهاية لن يسأل أحد على فراش الموت: كم كان رصيدك في البنك؟ بل: كيف عشت؟ ومن أحببت؟ وماذا أعطيت؟ وما الأثر الذي تركته؟




