أدبالوعي الذاتيفكري

ضريح الإمام المزور!

تحدث أحد المخرجين السينمائيين الإيرانيين في مذكراته عن واقعة لافتة تكشف كيف تتشكل القناعات أحيانًا بطريقة غير متوقعة.

يقول إنه ذهب مع فريق العمل إلى قرية نائية لتصوير بعض مشاهد أحد أفلامه. كان من بين المشاهد المطلوبة مشهد يدور حول ضريح لإمام زاده (1). ولتجنّب السفر إلى أماكن بعيدة وما يرافق ذلك من عناء التنقل عبر طرق طويلة، فضّل فريق الإنتاج حلاً بسيطًا: بناء غرفة صغيرة في القرية تُشبه الضريح. لم تكن أكثر من ديكور سينمائي مؤقت، بُني على عجل ليؤدي غرضه في التصوير.

أُنجزت المشاهد كما خُطِّط لها، وأدى الممثلون أدوارهم داخل ذلك المكان الذي أُعدّ بوصفه جزءًا من عالم الفيلم. وبعد انتهاء التصوير، لم يرَ الفريق حاجة إلى هدم الغرفة؛ فقد كانت بسيطة البناء، لا تكلّف شيئًا، وتركها في مكانها بدا أمرًا عاديًا لا يستدعي التفكير كثيرًا.

مضت السنوات.

بعد أربع أو خمس سنوات تقريبًا، وصلت إلى المخرج أخبار غريبة. قيل له إن ذلك المكان الذي شُيّد في الأصل ليكون مجرد ديكور تصوير، أصبح ضريحًا حقيقيًا في نظر أهل القرية، بل تحول إلى مزار يقصده الناس طلبًا للبركة وقضاء الحاجات.

في البداية لم يصدق ما سمعه. بدا الأمر أقرب إلى مزحة ثقيلة أو سوء فهم. لكنه قرر أن يتحقق بنفسه. عاد إلى القرية، وهناك رأى بعينيه ما لم يكن يتوقعه: الغرفة الصغيرة التي بناها فريق الفيلم أصبحت بالفعل مزارًا. كان الناس يزورونها، ويتعاملون معها باعتبارها ضريحًا مقدسًا.

يقول المخرج إنه لم يكن يقصد يومًا العبث بعقول الناس أو خداعهم. غايته من السينما كانت دائمًا محاولة التأثير في السلوك والتفكير عبر الفن، لا صناعة خرافة جديدة.

لذلك جمع بعض أهل القرية وتحدث إليهم بوضوح:
يا إخوتي، بالله عليكم، هذه الغرفة نحن الذين بنيناها قبل سنوات أثناء تصوير فيلم. كانت مجرد موقع تصوير، استخدمناها لتجسيد مشهد في العمل السينمائي.

لكن ما إن انتهى من كلامه حتى تبدلت ملامح الجلسة. اشتد الغضب، خصوصًا عند كبار السن من ذوي اللحى البيضاء. ردوا عليه بحدة وثقة:

لا، هذا إمام زاده حقيقي. هذا المكان يُصلح جراح المجانين ويحقق أمنيات القلوب. هذا ضريح ابن الإمام زين العابدين.

أدرك المخرج سريعًا أن الإصرار على النقاش قد يقوده إلى عواقب غير محمودة. كان الانفعال واضحًا في الوجوه، وشعر أن الاستمرار في الجدال قد ينتهي بالأذى.

فكّر أن الطريق الأجدى هو اللجوء إلى الجهات الرسمية. ربما تستطيع المؤسسات الدينية في المنطقة توضيح الحقيقة للناس ووضع حد لهذه القصة.

ذهب إلى مكتب الأوقاف والشؤون الدينية. جلس مع المسؤولين هناك وشرح لهم الأمر منذ بدايته: كيف بُنيت الغرفة، ولماذا، وكيف تحولت لاحقًا إلى مزار.

لكن المفاجأة كانت أكبر مما توقع.

غضب رئيس المكتب وقال له بلهجة حاسمة:
ما هذا الكلام الذي تقوله؟ هذا إمام زاده بالفعل، وله نسب معروف.

ثم أخرج وثيقة نسب مزخرفة، وقال إن النسب يعود بصاحبه إلى الإمام علي وفاطمة الزهراء.

يقول المخرج إنه رأى الرسالة بنفسه. كانت وثيقة مكتوبة بعناية، مزينة بطريقة جميلة، كأنها شهادة قديمة توثق نسب الضريح.

عند تلك اللحظة شعر بثقل شديد. خرج من المكتب شاحب الوجه، متعب الذهن، دون أن يودّع أحدًا.

عند الباب لحق به أحد الموظفين، بدا أكثر هدوءًا وتفهمًا. قال له بصوت منخفض:

يا سيدي، لا تُتعب نفسك. الناس يعتبرون هذا المكان مقدسًا فحسب. هذه هي القصة كلها. أنت تعيش في هذا البلد، وكان الأفضل أن تهدم ذلك البناء عندما انتهيتم من التصوير.

يختم المخرج تلك الحادثة في مذكراته باعتراف مرير: في تلك اللحظة أدرك كم يمكن للأفكار غير الحقيقية أن تتجذر بسهولة في العقول، وكم يمكن للخرافة أن تجد طريقها سريعًا إلى قلوب الناس حين تتوفر لها البيئة المناسبة.


(1) إمام زاده: مصطلح فارسي يُطلق في التقليد الشيعي على أحد أبناء أو أحفاد الأئمة المنحدرين من نسل النبي محمد ﷺ، ويُستعمل كذلك للدلالة على الضريح أو المزار المنسوب إلى أحد هؤلاء. ينتشر هذا المصطلح خصوصًا في إيران، حيث تحمل مئات المقامات اسم «إمام زاده» متبوعًا باسم الشخص المنسوب إليه، مع تفاوت في درجة التوثيق التاريخي لهوية المدفون في تلك المقامات.


(هذه القصة مذكورة في عدة مواقع، ولم أتمكن من الوصول إلى أصلها، لكنني كتبتها بقلمي للعبرة والتأمل وليس للتثبيت التاريخي)

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى