مفارقة الذكاء الاصطناعي: المساعد صار قيدًا!

قرأتُ المقال صباحًا وأنا أتجهّز للذهاب إلى العمل. عنوان في هارفارد بيزنس ريفيو يقول: “الذكاء الاصطناعي لا يقلل العمل.. بل يكثّفه“. ابتسمتُ ابتسامة مَن يسمع باحثًا يؤكد ما يراه كل يوم بعينه.
أقول هذا لأنني، بحكم عملي في الصحة المهنية، أجلس أمام موظفين مُنهَكين لا يعرفون لماذا هم مُنهَكون. جاءني قبل أسابيع في إحدى جلساتي الاستشارية الخاصة شاب يعمل في شركة تقنية، ذكي ومجتهد، يقول لي: “دكتور، المفروض إن الشغل صار أسهل. عندي أدوات ما كنت أحلم فيها. بس أنا تعبان أكثر من أي وقت.” سألته عن يومه فاكتشفت أنه يبدأ العمل قبل أن يصل إلى المكتب — يفتح محادثة مع الذكاء الاصطناعي وهو يشرب قهوته في السيارة — ولا ينتهي منه حتى بعد أن يضع رأسه على الوسادة. قال لي بالحرف: “أحس إني ما أقدر أوقف. كل ما خلّصت شي، حسّيت إني أقدر أسوّي شي ثاني.”
هذا بالضبط ما وثّقته الدراسة التي نُشرت هذا الشهر.
الباحثتان أرونا رانغاناثان وشينغكي ماجي يي من كلية هاس للأعمال في جامعة بيركلي لم تكتفيا باستبيان إلكتروني كما يحدث عادة. أمضتا ثمانية أشهر داخل شركة تقنية أمريكية تضم نحو مئتي موظف، تراقبان وتسجّلان وتتحدثان مع الناس وجهًا لوجه. وما وجدتاه يستحق أن نتوقف عنده بهدوء.
الموظفون لم يستخدموا الذكاء الاصطناعي ليعملوا أقل. استخدموه ليعملوا أكثر. والمفاجأة؟ لم يطلب منهم أحد ذلك. فعلوه طوعًا.
أعرف أن هذا قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى. لماذا يزيد الإنسان على نفسه؟ لكن في الحقيقة، هذا نمط قديم نعرفه في طب العمل. كل أداة قُدّمت على أنها “موفّرة للوقت” انتهت بطريقة ما إلى تكثيف العمل لا تخفيفه. أتذكّر جيدًا حين ظهرت الهواتف الذكية كيف قيل لنا إنها ستحررنا، فإذا بنا نحمل مكاتبنا في جيوبنا ونفتح بريد العمل ونحن على مائدة العشاء مع أهلنا.
الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم يكرر النمط ذاته، لكن بذكاء أشد وسحر أخطر.
ما الذي يحدث تحديدًا؟ سأحاول أن أشرح ما رصدته الدراسة بلغة مَن يرى أثر هذا الكلام في عمله، لا بلغة الأرقام المجردة.
الأمر الأول أن الذكاء الاصطناعي يُشعرك بأنك قادر على كل شيء. المصمم يظن أنه صار يستطيع كتابة الأكواد البرمجية. ومدير المنتج يدخل في مهام هندسية. وهذا التمدد في المهام يبدو في البداية تمكينًا ونموًّا، لكن ما يحدث في الواقع أن المتخصصين الأصليين يجدون أنفسهم يقضون ساعات إضافية في مراجعة مخرجات ضعيفة أنتجها زملاء حسنو النية لكنهم ليسوا أهل الصنعة. فالحِمل لم يخفّ، بل انتقل من كتف إلى كتف ثم تضاعف.
الأمر الثاني — وهو الذي يؤرقني مهنيًّا أكثر من غيره — أن الحدود بين العمل والحياة تتآكل بصمت. لأن التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي يشبه الدردشة مع صديق، فالموظف لا يشعر بأنه “يعمل” حين يفتح المحادثة مساءً أو في عطلة نهاية الأسبوع. يقول لنفسه: أنا فقط أجرّب. أنا فقط أسأل سؤالًا سريعًا. لكنه في الحقيقة يقطع على دماغه فرصة الاستشفاء النفسي التي يحتاجها. ونحن نعرف في الصحة المهنية أن الاستشفاء لا يتحقق بمجرد أن تغادر المكتب جسديًّا، بل يحتاج إلى انفصال ذهني حقيقي عن مهام العمل. وحين يصبح العمل محادثة خفيفة في جيبك، يتبخّر هذا الانفصال ولا تبقى للراحة راحة.
والأمر الثالث أن الذكاء الاصطناعي خلق إيقاعًا جديدًا أسمّيه — بالنسبة لي على الأقل — التشتت الممتع. الموظف يكتب كودًا بيده في نافذة، ويطلب من الذكاء الاصطناعي توليد بديل في نافذة ثانية، ويدير وكيلًا آليًّا لمهمة ثالثة في الخلفية. يشعر بالزخم. يشعر بأنه ينجز. لكن ما يحدث فعليًّا هو تبديل مستمر في الانتباه، وهذا التبديل من أكثر ما يُرهق الدماغ. عقلنا ليس معالجًا متعدد الأنوية كما نتوهم، هو أقرب إلى عدسة تركّز على نقطة واحدة في كل لحظة، وكل مرة تنقلها تدفع ثمنًا من طاقتك ومن جودة تفكيرك.
لكن ما استوقفني حقًّا في هذه الدراسة ليس رصد الظواهر الثلاث — فهذه أراها في جلساتي الاستشارية الخاصة — بل وصف الباحثتين لشيء أسمتاه “الدورة ذاتية التعزيز“ (Self-Reinforcing Cycle). الذكاء الاصطناعي يسرّع إنجاز المهام، فيرتفع سقف التوقعات، فيزداد الاعتماد عليه، فيتّسع نطاق ما يُطلب من الموظف، فيتكثف الضغط… وهكذا تدور العجلة ولا تتوقف.
وخطورة هذه الدورة أنها تبدأ بشعور جميل. الموظف يحسّ بأنه صار “خارقًا”، ينجز ما لم يكن يحلم بإنجازه. هذا الشعور يُسكر، وأعني الكلمة. يخدّر الإنسان عن التكلفة التي يدفعها من صحته وتركيزه وعلاقاته حتى يصل ذات صباح إلى نقطة الانهيار ولا يفهم كيف وصل. وأنا أرى هذا النمط كثيرًا في بدايات الاحتراق الوظيفي: حماس مفرط أولًا، ثم إنهاك، ثم انسحاب.
الدراسة تختم بتوصية أراها جوهرية: أن تبني المؤسسات ما أسمته الباحثتان “ممارسة الذكاء الاصطناعي” (AI Practice)، يعني إطارًا واعيًا يحدد كيف ومتى ولماذا نستخدم هذه الأدوات، بدل أن نتركها مشاعًا مفتوحًا يتمدد في كل شقوق اليوم.
وأنا أضيف من موقعي كطبيب وكباحث وكاتب ومحاضر في الاتزان الحياتي: الأداة مهما عظمت تبقى أداة. وقرار استخدامها — متى نبدأ ومتى نتوقف — هو قرار إنساني قبل أن يكون تقنيًّا. لبدنك عليك حقًّا، ولعقلك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا. وهذه الحقوق لا تسقط لأن أداة جديدة ظهرت تُغريك بأن تعمل بلا توقف.
ربما لن يعجب كلامي البعض، لا أعرف. لكنني أرى في عيادتي وعملي وجلساتي الاستشارية ما يكفي لأقول إننا نحتاج أن نتعلم متى نغلق المحادثة ونمشي. أن نحمي أوقات فراغنا من أن تتحول إلى “فراغ إنتاجي”. أن ندرك أن السرعة وحدها ليست إنجازًا، وأن الإنسان الذي لا يستريح لا يُنتج بل يُستنزف.
وأن أجمل ما في هذا العقل البشري ليس قدرته على ملاحقة عشر مهام في وقت واحد، بل قدرته على التمهل وعلى التأمل العميق في شيء واحد.
المصدر:
Ranganathan, A. & Ye, X. M. (2026, February 9). AI Doesn’t Reduce Work — It Intensifies It. Harvard Business Review.




