أمة الدوبامين: كيف نستعيد توازننا في عصر الإفراط؟

لطالما أمسكت هاتفي لأتفقد أمراً معيناً، لأجدني بعد دقائق أقلّب في مقاطع لا أعرف كيف وصلت إليها. كلنا نعيش هذا التناقض: نعرف أن ما نفعله يستنزفنا، لكننا نعود إليه كأننا مسحورون.
هذا ما دفعني لقراءة كتاب “أمة الدوبامين” لـد. آنا ليمبكي، أستاذة الطب النفسي في جامعة ستانفورد والمديرة الطبية لعيادة طب الإدمان هناك. الكتاب ليس من نوعية كتب المساعدة الذاتية التي تمطرك بالنصائح المكررة، بل هو تشريح علمي دقيق لما يحدث في أدمغتنا، مدعوم بقصص حقيقية من عيادتها.
من ندرة الموارد إلى وفرة قاتلة
المشكلة الأساسية أننا انتقلنا خلال عقود قليلة من عالم الندرة إلى عالم الوفرة المطلقة. أجدادنا كانوا يبحثون عن الطعام، نحن نبحث عن طرق لنمتنع عنه. كانوا يتعطشون للمعلومة، ونحن نغرق فيها. وفي هذا الطوفان من المحفزات السهلة والمتاحة، تاهت أدمغتنا.
ميزان اللذة والألم
الفكرة المحورية في الكتاب بسيطة ومدهشة: الدماغ يعالج اللذة والألم في نفس المنطقة. تخيل أن دماغك يحتوي على ميزان (أو أرجوحة إن شئت).
حين تأكل الشوكولاتة أو تتصفح إنستغرام، يفرز دماغك الدوبامين، فتميل الكفة نحو اللذة. لكن الدماغ مهووس بالتوازن، يكره أن يظل الميزان مائلاً. لذلك، وبشكل آلي، يضغط على الكفة المقابلة ليعيد التوازن.
هذا يفسر الشعور الغريب الذي يعقب أي متعة مكثفة: ذلك الانزعاج الخفيف، الرغبة في المزيد، الفراغ الذي لا تعرف كيف تملأه. إنه دماغك يحاول استعادة توازنه.
عفاريت الألم
د. ليمبكي تستخدم تشبيهاً أحببته كثيراً. تقول: تخيل أن آليات التوازن في دماغك هي عفاريت صغيرة تقفز على كفة الألم كلما حصلت على جرعة دوبامين عالية. في البداية، تقفز هذه العفاريت ثم تغادر بعد فترة قصيرة. لكن مع التكرار والإفراط، تستوطن هناك وتتكاثر.
النتيجة؟ ما يسميه العلم “التحمّل”. تحتاج جرعة أكبر من المتعة فقط لتشعر أنك طبيعي، وليس لتشعر بالسعادة. وحين تتوقف، يصيبك ألم حقيقي لأن العفاريت لا تزال تضغط على كفة الألم بينما كفة اللذة أصبحت فارغة.
هذا ما يحدث للمدمنين على المخدرات، لكنه يحدث أيضاً بدرجات متفاوتة لمن يدمن هاتفه أو طعامه أو حتى الروايات الرومانسية.
صيام الدوبامين
الحل الذي تقترحه ليمبكي جذري وبسيط: امتنع لمدة ثلاثين يوماً عن المادة أو السلوك الذي تدمنه.
لماذا ثلاثون يوماً؟ لأنها الفترة الكافية حتى تدرك “عفاريت الألم” أنه لا مزيد من الدوبامين قادم، فتبدأ بالرحيل. خلال هذه الفترة ستشعر بألم وملل حقيقيين، وهذا متوقع. إنه صوت العفاريت وهي تغادر.
بعد انقضاء المدة، يعود الميزان لحالته الطبيعية، وتستعيد قدرتك على الاستمتاع بأبسط الأشياء: ضوء الشمس، محادثة عميقة، كتاب هادئ.
الألم كدواء
من أعمق الأفكار في الكتاب أن الألم المُختار يمكن أن يكون علاجاً. بدلاً من مطاردة اللذة التي يعقبها ألم، لماذا لا نطارد ألماً يعقبه لذة؟
حين تأخذ حماماً بارداً، أو تمارس رياضة شاقة، أو تصوم، يميل الميزان نحو الألم، فيرد الدماغ بإفراز الدوبامين ليعيد التوازن. هذا الدوبامين “الطبيعي” مستدام وصحي، ويمنحك شعوراً عميقاً بالرضا دون آثار جانبية.
الفكرة قديمة، لكن ليمبكي تشرحها بلغة الكيمياء العصبية الحديثة.
الصدق كجزء من العلاج
نقطة أخيرة لفتت انتباهي: د. ليمبكي تؤكد أن الصدق الجذري جزء من العلاج. الكذب يستنزف طاقة الدماغ الهائلة لإخفاء الحقائق، بينما الصدق ينشط القشرة الجبهية المسؤولة عن ضبط الرغبات. لكي تتعافى، عليك أن تتوقف عن الكذب على نفسك وعلى الآخرين بشأن سلوكياتك.
خاتمة
لست مقتنعاً بكل ما في الكتاب، وأجد أن بعض التعميمات تحتاج مزيداً من الدقة، لكن الإطار العام مفيد. السعادة ليست في مطاردة المتعة المستمرة، بل في القدرة على تحمل الملل واحتضان القليل من الألم.
ربما يكون الوقت قد حان لنعيد ضبط موازيننا.





