
شاهدت منذ أيام مقطع فيديو لزميلة فاضلة، تتحدث بثقة عن “أسلوب الرواية” الصحيح: حبكة، عقدة، تصاعد أحداث، ثم حل العقدة. وما لا يسير على هذا النسق، فهو مملّ لا يستحق القراءة! أو لعلي أسأت فهم مقصدها، فأعتذر إن كان كذلك. لكن الفكرة في حد ذاتها – أيًا كان قائلها – تستحق التأمل والنقاش.
استمعت باهتمام، ثم ابتسمت. تذكرت حينها طالباً في إحدى ورش الكتابة سألني ذات مرة: “هل توجد طريقة واحدة صحيحة لكتابة الرواية؟” فأجبته: “لو كان الأمر كذلك، لكانت المكتبات تحتوي على رواية واحدة مكررة بألف نسخة!”
الرواية، يا سادة، ليست قالباً واحداً جامداً! هي فن متعدد الأشكال والأساليب، ولكل شكل محبوه وقراؤه.
هناك الرواية الكلاسيكية، نعم، بحبكتها وعقدتها وحلها، وهي جميلة وممتعة. ولكن هناك أيضاً رواية “تيار الوعي” التي لا تهتم بالحبكة بقدر اهتمامها بالغوص في أعماق الشخصية، كما في روايات فرجينيا وولف أو جيمس جويس.
وهناك الرواية التجريبية التي تكسر كل القواعد، والرواية الواقعية التي تصور الحياة كما هي دون عقد مفتعلة، والرواية الفلسفية التي تطرح الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات، ورواية الخيال العلمي التي تستشرف المستقبل وتطرح أسئلة وجودية عبر عوالم متخيلة.
بل إن بعض الروايات العظيمة لا يحدث فيها شيء تقريباً! مثل “في انتظار غودو” لبيكيت، حيث الانتظار نفسه هو الحدث.
المشكلة أننا أحياناً نحكم على الروايات من خلال تفضيلاتنا الشخصية، فنعتبر ما لا يناسب ذوقنا رواية فاشلة أو مملة. وهذا ظلم كبير لأعمال رائعة لم ترُق لنا، ليس لأنها رديئة، بل لأنها من أسلوب مغاير لمزاجنا القرائي!
أنا شخصياً لا أستمتع كثيراً بروايات التجريب والإغراق الفلسفي، ولعلي أحبها يوماً حين يتسع صدري لها، لكنني لا أقول إنها روايات سيئة أو مملة، بل أعترف بأن المشكلة في مزاجي أنا الآن، لا في الرواية.
النقد الأدبي الجاد لا يصدر من تفضيلات شخصية، بل من فهم عميق لأنواع الروايات وأساليبها، ومن قدرة على تقييم العمل وفق معاييره الخاصة، لا وفق قالب واحد جامد نفرضه على الجميع.
فلنحترم تنوع الرواية، ولنقرأ بعقل منفتح، ولنميّز بين “هذه الرواية لا تعجبني” وبين “هذه رواية رديئة”. الفرق كبير… وعظيم!



